أبو الليث السمرقندي

177

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله عز وجل : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني : عبدوا من دونه أربابا ، وأوثانا ، ما نَعْبُدُهُمْ على وجه الإضمار . قالوا : ما نَعْبُدُهُمْ يعني : يقولون ما نعبدهم . وروي عن عبد اللّه بن مسعود ، وأبي بن كعب ، أنهما كانا يقرآن وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قالوا : ما يعبدهم بالياء ، وقراءة العامة ما نَعْبُدُهُمْ على وجه الإضمار ، لأن في الكلام دليلا عليه إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى يعني : ليشفعوا لنا ، ويقربونا عند اللّه . ويقال : لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى يعني : منزلة . يقول اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يعني : يقضي بينهم يوم القيامة فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين . ثم قال عز وجل : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي أي : لا يرشد إلى دينه مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ في قوله : الملائكة بنات اللّه وعيسى ابن اللّه كَفَّارٌ يعني : كفروا باللّه بعبادتهم إياهم . ويقال : معناه لا يوفق لتوحيده من هو كاذب على اللّه ، حتى يترك كذبه ، ويرغب في دين اللّه . لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً كما قلتم لَاصْطَفى يعني : لاختار من الولد مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ من خلقه إن فعل ذلك . ثم قال : سُبْحانَهُ نزه نفسه عن الولد ، وعن الشرك ، هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يعني : الذي لا شريك له الْقَهَّارُ يعني : القاهر لخلقه . ثم بيّن ما يدل على توحيده ، ويعجز عنه المخلوقون . قوله عز وجل : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يعني : للحق ، ولم يخلقهما باطلا لغير شيء يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ قال مجاهد : يعني : يدهور الليل على النهار وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ يعني : يدهور النهار على الليل . وقال مقاتل يُكَوِّرُ يعني : يسلط عليه ، وهو انتقاص كل واحد منهما من صاحبه . وقال الكلبي : يُكَوِّرُ يعني : يزيد من النهار في الليل ، فيكون اللّيل أطول من النهار ، ويزيد من الليل في النهار ، فيكون النهار أطول من الليل . هذا يأخذ من هذا ، وهذا يأخذ من هذا . وقال القتبي يُكَوِّرُ يعني : يدخل هذا على هذا . وأصل التكوير اللف ، والجمع ، ومنه كور العمامة ومنه قوله : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ( 1 ) [ التكوير : 1 ] وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني : ذلل ضوء الشمس ، والقمر ، للخلق كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يعني : إلى أقصى منازله . ويقال : إلى يوم القيامة . أَلا هُوَ الْعَزِيزُ يعني : الْعَزِيزُ بالنقمة لمن لم يتب الْغَفَّارُ لمن تاب . ويقال : الْعَزِيزُ في ملكه . الْغَفَّارُ لخلقه بتأخير العذاب .